اسد حيدر

174

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

فتقدم رجل فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير قولي لمولاك إني بالباب قال : فدخلت فأبطأت ثم خرجت فقالت : إن مولاي يقرؤك السلام ويقول إن كانت لك مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب ، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس ؛ فانصرفت ؛ فقال : قولي له معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة ، قال : فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي فوضعته ، ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة فرفع إليه الوالي الكتاب « 1 » . ونحن إذ نقيس منزلة مالك بين العهدين نجد الفرق بينا فنراه في عهد أحد الولاة مغضوبا عليه يسحب ويجرد من ثيابه ويضرب خمسين سوطا ويهان ، ونراه في العهد الثاني يتهيب الوالي أن يكلمه . فمالك في حاليه يعطينا درسا في معرفة أغراض السياسة مع رجال الأمة ، وان لها ألوانا من المعاملة مع الأشخاص الذين تريد أن تستخدمهم بالمغريات . والغرض أن نجم مالك بزغ بذلك الأفق فأصبحت له شخصية مرموقة دون غيره من شيوخه الذين هم أعلم وأفقه كربيعة الرأي « 2 » وغيره ، فامتاز بتلك المنزلة واكتست شخصيته بأبراد العظمة ، وحاول العباسيون أن يجعلوا منه مرجعا عاما للأمة في الفتوى ، ولكنها محاولة لم تنجح ، وقد أمره المنصور بوضع كتاب يحمل الناس عليه بالقهر ، فكلمه مالك في ذلك وامتنع فقال المنصور : ضعه فما أحد اليوم أعلم منك « 3 » فوضع الموطأ .

--> ( 1 ) معجم الأدباء ج 17 ص 275 . ( 2 ) ربيعة بن أبي عبد الرحمن بن فروخ التميمي أبو عثمان المدني الفقيه المعروف بربيعة الرأي روى عن أنس والسائب بن يزيد وابن المسيب وعنه سليمان التميمي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد والليث وخلق كثير . وكان أبوه فروخ خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية وربيعة حمل في بطن أمه فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسا ودفع الباب برمحه فخرج ربيعة وقال يا عدو اللّه أتهجم على منزلي ، فقال فروخ : يا عدو اللّه أنت دخلت على حرمي فتواثبا حتى اجتمع الجيران وكثر الضجيج فبلغ مالك بن أنس فقال مالك : أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الدار فقال الشيخ هي داري وأما فروخ فسمعت امرأته كلامه فخرجت وقالت هذا زوجي وهذا ابني الذي خلفه وأنا حامل به فاعتنقا جميعا . قال سوار بن عبد اللّه : ما رأيت أحدا أعلم من ربيعة الرأي قيل ولا الرأي وكانت وفاته في سنة 136 ه - بالهاشمية ودفن هناك وقيل سنة 133 ه - . ( 3 ) شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 8 .